منتديات ارض الشام

ارض الشام ارض الملاحم والبشارات منتدى يعرض الاخبار والمستجدات بارض الشام
 
سياسة الخصوصيه  الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  Privacy Policy  

شاطر | 
 

 تفسير سورة الفاتحة وما يؤخذ منها من احكام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1330
نقاط : 23551
تاريخ التسجيل : 30/10/2010
العمر : 40

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الفاتحة وما يؤخذ منها من احكام   الجمعة 22 فبراير - 1:34

تفسير سورة الفاتحة - العلامة عبد العزيز السلمان
دالعزيز بن محمد بن سلمان
المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض (سابقًا)


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحـمن الرحيم
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(.
الاستعاذة: هي الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير، ومعنى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»: أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته، بإسداء الجميل إليه ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه.
وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن، في «سورة الأعراف»: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ( فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(، وقال تعالى في «سورة قد أفلح المؤمنون»: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ(، وقال في «سورة فصلت»: (وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ(.
والشيطان في لغة العرب: مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد عن كل خير، ويقولون: تشيطن فلان إذا فعل فعل الشياطين، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ن تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا(.
وفي «مسند الإمام أحمد»: عن أبي ذر ( قال: قال رسول الله (: «يا أبا ذر، تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن»، فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم».
والرجيم: فَعِيل بمعنى مَفْعول، أي إنه مرجوم مطرود عن الخير كله.
السورة: طائفة من القرآن تشمل ثلاث آيات فأكثر، لها اسم يعرف بطريق الرواية.
واختلف في معنى السورة مما هي مشتقة؟ فقيل: من الإبانة والارتفاع، فكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة، وقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلدان، وقيل: سميت سورة لكونها قطعة من القرآن وجزء منه مأخوذ من آسآر الإناء وهي البقية، وعلى هذا فيكون أصلها مهموزًا، وإنما خففت الهمزة فأبدلت الهمزة واوًا لانضمام ما قبلها، وقيل: لتمامها وكمالها؛ لأن العرب يسمون الناقة التامة سورة، ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها، كما يسمى سور البلد لإحاطته بمنازله ودوره.
وقد روي لهذه السورة عدة أسماء اشتهر، منها: أم الكتاب، وأما القرآن؛ لاشتمالها على مقاصد القرآن من الثناء على الله، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، وتسمى السبع المثاني؛ لأنها تثنى في الصلاة، ويقال لها: الحمد، ويقال لها: الصلاة؛ لقوله ( عن ربه: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، ويقال لها: الشفاء؛ لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعًا: «فاتحة الكتاب شفاء من كل سُم»، ويقال لها: الرقية؛ لحديث أبي سعيد في «الصحيح» حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله (: «وما يدريك أنها رقية».
وروي عن ابن عباس أنه سماها أساس القرآن، قيل: لأنها أصل القرآن، وأول سورة فيها، وسماها سفيان بن عيينة بالواقية، وسماها يحيى بن كثير: الكافية؛ لأنها تكفي عما عداها، ولا يكفي ما سواها عنها، وسميت الفاتحة؛ لأنها أول القرآن في هذا الترتيب، وبها تفتتح القراءة في الصلاة.
وأخرج البيهقي في كتابه «الدلائل» عن أبي ميسرة: «أن رسول الله ( قال لخديجة ـ رضي الله عنها -: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرأ»، فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق»، ثم إنه ( أخبر ورقة بذلك، وإن ورقة أشار عليه أن يثبت ويسمع النداء، وأنه ( لما خلا ناداه الملك: يا محمد، قل «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين».
وقد رجح هذا بأنها مشتملة على مقاصد القرآن على سبيل الإجمال، ثم فصل ما أجملته بعد.
بيان هذا أن القرآن الكريم اشتمل على التوحيد، وعلى وعد من أخذ به بحسن المثوبة، ووعيد من تجافى عنه وتركه، بسيئ العقوبة، وعلى العبادة الخالصة للمعبود التي تحيي القلوب، وتثبن النفوس، ويزداد بها التوحيد والإيمان، وعلى بيان سبيل السعادة الموصل إلى النعيم في الدارين، وعلى القصص الحاوي أخبار المهتدين الذين وقفوا عند الحدود التي سنها الله لعباده، وفيها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، والضالين الذين تعدوا الحدود ونبذوا الأحكام الشرعية وراءهم ظهريًا .
وقد حوت هذه المعاني جملة، فالتوحيد يرشد إلى قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(؛ لأه يدل على أن كل ثناء وحمد يصدر عن نعمة فهو له، وأهمها نعمة الإيجاد والتربية العامة والخاصة، وذلك صريح قوله تعالى: (رَبِّ العَالَمِينَ( وقد استكمله بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( وبذلك اجتث جذور الشرك التي كانت فاشية في جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله يُستعان بهم على قضاء الحاجات، ويتقرب بهم إلى الله زلفى، والوعد والوعيد يتضمنهما قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ( إذ الدين هو الجزاء، وهو إما ثواب للمحسن، وإما عقاب للمسيء.
والعبادة تؤخذ من قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(.
وطريق السعادة يدل عليه قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (إذ معناه أنه لا تتم السعادة إلا بالسير على ذلك الصراط القويم، فمن خالفه وانحرف عنه كان في شقاء مقيم.
والقصص والأخبار يهدي إليها قوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( فهو يرشد إلى أن هناك أممًا قد مضت، وشرع الله شرائع لهديها فاتبعتها وسارت على نهجها، فعلينا أن نحذو حذوها ونسير على سننها.
وقوله: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (يدل على أن غير المنعم عليهم صنفان: صنف خرج عن الحق بعد علمه به وأعرض عنه بعد أن استباه له ورضي بما ورثه عن الآباء والأجداد وهؤلاء هم المغضوب عليهم، وصنف لم يعرف الحق أبدًا أو عرفه على وجه مضطرب فهو في عماية تلبس الحق بالباطل وتبعد عن الجادة الموصلة إلى الصراط المستقيم، وهؤلاء هم الضالون.
«بسم الله الرحمن الرحيم»:
يرى بعض الصحابة كأبي هريرة، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وبعض التابعين كسعيد بن جبير، وعطاء والزهري، وابن المبارك، وبعض فقهاء مكة وقرائها، ومنهم: ابن كثير، وبعض قراء الكوفة وفقهائها، ومنهم: عاصم، والكسائي، والشافعي، وأحمد أن البسملة آية من كل سورة من سور القرآن الكريم سوى سورة براءة.
ومن أدلتهم:
1- ما ورد في ذلك من الأحاديث: فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن أنس ( أنه قال: قال رسول الله (: «أنزلت علي آنفًا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم»، وروى أبو داود عن ابن عباس: أن رسول الله ( كان لا يعرف انقضاء السورة حتى ينزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم»، وروى الدارقطني عن أبي هريرة أن رسول الله ( قال: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم القرآن والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها».
2- إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه، ومن ثم لم يكتبوا آمين في آخر الفاتحة.
3- إجماع المسلمين على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى والبسملة منه.
ثم اعلم وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه: أن الفاتحة الركن الثالث من أركان الصلاة التي هي ثاني أركان الإسلام، وقد قال (: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه الجماعة، وفي لفظ: «لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه الدارقطني.
وفي حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سمعت رسول الله ( يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» رواه أحمد وابن ماجه، وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» يقولها ثلاثًا، الحديث رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه وعن أبي هريرة «أن النبي ( أمره أن يخرج فينادي: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد»، رواه أحمد وأبو داود، إذا فهمت ذلك فكيف يليق بالمسلم أن يرضي لنفسه أن يناجي ربه بكلام لا يفهمه ولا يدرك معناه، وقد أمر الله بتدبير القرآن ومدح الذين هم في صلاتهم خاشعون ولن يخشع ويخضع لله إذا كان لا يفهم ما يقول والله جل وعلا كرم بني آدم بالعلم والعقل على سائر الحيوانات والعاقل من يفهم ما يقول.
قال ابن الجوزي: ومن تلبيس إبليس –لعنه الله- على القُراء أنه شغلهم تحسين القراءة والاشتغال بالشاذ طول عمرهم حتى شغلهم ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات، ولو تفكر هؤلاء لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع.
وقال الحسن البصري ـ رحمه الله -: أنزل القرن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً، يعني أنه اقتصروا على التلاوة وتركوا العمل به... إلخ.
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ على قول الله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُورًا(: فمن هجرانه ترك الإيمان به، وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به، وترك امتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه.
فتبين بذلك أنه على كل واحد من الناس أن يتدبر آيات الكتاب بقدر طاقته لا فرق بين عالم وجاهل؛ لأنه أنزله جل وعلا لهداية الخلق، وقال جل وعلا: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ( فعليكم أيها الإخوان، أن تلقوا أسماعكم إلى تفسيرها، وإليكم أول آية منها:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(: المشروع ذكر الله تبركًا واستعانة وتيمنًا، والمتعلق بالباء في (بِسْمِ اللَّهِ( مقدر إما بفعل وإما باسم، فأما من قدره باسم تقديره باسم الله ابتدائي؛ فلقوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ(، ومن قدره بالفعل أمرًا أو خبرًا، نحو: أبدأ بسم الله، أو ابتدأت باسم الله؛ فلقوله: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(، (اللَّهِ(: هو المألوه المعبود المستحق لإفراده بالعبادة؛ لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال، (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(: اسمان دالان على أنه ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء وعمت كل حي، والرحيم: رحمة خاصة بالمؤمنين كتبها للمتقين المتبعين لأنبياءه ورسله، قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ( الآيتين، وقال تعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(.
قال ابن جرير: معنى الحمد لله: الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العد ولا يحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً وآخرًا.
وقال ـ رحمه الله -: ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه، قال: قولوا الحمد لله، قال: وقد قيل: إن قول القائل الحمد لله: ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. اهـ.
وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله (: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله»، وقال الترمذي: حسن غريب، وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك ( قال: قال رسول الله (: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فقال: الحمد لله، إلا كان إذا أعطى أفضل مما أخذ»، وقال القرطبي في «تفسيره»، وفي «نوادر الأصول»: عن أنس، عن النبي ( قال: «لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال: الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك».
قال القرطبي وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى، قال الله تعالى: (المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً(.
وفي «سنن ابن ماجه» عن ابن عمر أن رسول الله ( حدثهم: «أن عبدًا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت على الملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها! فصعد إلى الله، وقالا: يا ربنا، إن عبدًا قال مقال لا ندري كيف نكتبها! قال وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها».
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله -: والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكن إلا على ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال وهي أمور وجودية، فإن الأمور العدمية المحضة لا مدح فيها ولا خير ولا كمال، ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ماله من صفات الكمال، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود.
وقال ـ رحمه الله تعالى -: وأما أهل التوحيد الذين يعبدون الله مخلصين له الدين، فإن ما في قلوبهم من محبة الله لا يماثله فيها غيرها؛ ولهذا كان الرب محمودًا حمدًا مطلقًا على كل ما فعله، وحمدًا خاصًا على إحسانه إلى الحامد فهذا حمد الشكر والأول حمده على ما فعله، وكما قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ( الآية، وقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ(.
والحمد ضد الذم، والحمد خبر بمحاسن المحمود، مقرون بمحبته، ولا يكون حمد المحمود إلا مع محبته ولا ذم المذموم إلا مع بغضه، وهو سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود ولا يكون حمد إلا بحب المحمود، وهو سبحانه المعبود المحمود؛ ولهذا كانت الخطب في الجمع والأعياد وغير ذلك مشتملة على هذين الأصلين تحميده وتوحيده، وأفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله.
وقوله تعالى: (رَبِّ العَالَمِينَ( الرب: هو المعبود الخالق الرازق المتصرف المربي جميع العالمين، بأصناف النعم بخلقه لهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة التي لو فقدوهالم يكن لهم البقاء، فالنعم التي فيهم من الله، قال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ(، وترتبيته تعالى لعباده نوعان: عامة، وخاصة، فالعامة: خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا، وأما الخاصة: تربيته لأوليائه فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويكملهم ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه وحقيقتها تربية التوفيق لكل خير والعصمة من كل شر، والعالمين: جمع عالم وهو كل موجود سوى الله عز وجل، والعالم: جمع لا واحد له من لفظه، والعوالم: أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر، وكل قرن وجيل منها يسمى عالمًا أيضًا.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(: تقدم الكلام عليهما بما أغنى عن إعادته.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(: قال ابن كثير: مالك: مأخوذ من الملك، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ(، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ(، وملك مأخوذ من الملك، كما قال تعالى: (لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ(، وقال: (قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ(، وقال: (المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الكَافِرِينَ عَسِيرًا( وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأن قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا(، وقال: (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا(، وقال: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(. اهـ.
(يَوْمِ الدِّينِ(: هو يوم الجزاء والحساب على الأعمال، والتصديق الجازم بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية، والإنكار لذلك اليوم كفر، قال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(، وقال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ(، وقال تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ(، (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (إنه اليوم الذي ترى فيه السماء قد انفطرت، والكواكب منتثرة، والنجوم منكدرة، والشمس مكورة، والجبال مسيرة، والعشار عطلت... إلخ، يوم لا يفيد المنكر الكاذب احتياله وجحوده، قال تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( في ذلك اليوم يجازي الله فيه الإنسان على ما قدم من خير أو شر، فينتقم الله فيه من الظالمين، ويكافئ العادلين، وفي ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الظهور كمال ملكه تعالى وعدله، وحكمته، وانقطاع أمك الخلائق حتى أنه يستوي في ذلك اليوم الملوك والرعايا، والأحرار والعبيد كلهم مذعنون لعظمته خاضعون لعزته، قال تعالى: (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا( وكلهم منتظرون المجازاة، فلهذا خص بالذكر وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.
وقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وقيل: إن العبادة غاية الذل مع غاية الخضوع، والاستعانة: الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به في تحصيل ذلك، والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة، فلا نعبد غيرك، عهد بين العبد وربه أن لا يعبده إلا إياه، وإياك نستعين: عهد بين العبد وبين ربه أن لا يستعين بأحد غير الله.
فالأول: تبرؤ من الشرك.
والثاني: تبرؤ من الحول والقوة وتفويض إلى الله عز وجل.
وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(، وقال تعالى: (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا(، وقال تعالى: (رَّبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً( وكذا هذه الآية الكريمة.
وقال ابن كثير: وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسب؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى آخر كان أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظًا له كما تقرر في علم المعاني، والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار عن الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد، وقيل: إن المقام لما كان عظيمًا لم يستقل به الواحد استقصارًا لنفسه واستصغارًا لها، فالمجيء بالنون لقصد التواضع، لا لتعظيم النفس، وقدمت العبادة على الاستعانة لكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم.
وعن ابن عباس في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ(: يعني إياك نوحد ونخاف يا ربنا لا غيرك، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (على طاعتك وعلى أمورنا كلها، والقيام بعبادة الله، والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما، وإنما تكون العبادة عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول الله ( مقصود بها وجه الله، فبهذين الأمرين تكون عبادة.
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (والهداية هنا الإرشاد والتوفيق، والمعنى دلنا وأرشدنا وثبتنا، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارقنا أو أعطنا، (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (أي بينا له الخير والشر، وقد تعدى بإلى، كقوله تعالى: (اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(، (فَاهْدُوَهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ( وذلك بمعنى الدلالة والإرشاد، وكذلك قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ( وقد تعدى باللام، كقول أهل الجنة: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا( أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلاً.
وفرق بعض المتأخرين بين معنى المتعدى بنفسه وغير المتعدي، فقالوا: معنى الأول: الدلالة، والثاني: الإيصال، وطلب الهداية من المهتدين معناه طلب الزيادة، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى(، وقوله: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(، وقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(.
وقال ابن كثير: فإن قيل: كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟
فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلاً ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله فأرشده إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعرفة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولاسيما المضطر المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار.
والصراط لغة: الطريق، قال ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا إعوجاج فيه.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله -: ولا يكون الطريق صراطًا حتى يتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقرب، وسعته للمارين عليه، وتعيينه طريقًا للمقصود تضمن إيصاله إلى المقصود، ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم، ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعيينه طريقًا.
وقيل: إن الصراط المستقيم المذكور هنا القرآن الكريم.
وقيل: إنه الرسول ( وصاحباه من بعده.
وقيل: الإسلام.
قال ابن القيم -رحمه الله-: والقول الجامع في تفسير الصراط المستقيم أنه الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله وجعله موصلاً لعباده إليه ولا طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية، وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون إرادة إلا متعلقة بمرضاته، وهذا هو الحق، ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به، فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها.
ويضاف الصراط تارة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه شرعه ونصبه، ويضاف تارة إلى العباد؛ لأنهم أهل سلوكه، وهو المنسوب لهم، وهم المارون عليه، فالأول وهو إضافته إلى الله كقوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا(، وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ(، والثاني كما في الفاتحة، فمن هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه وعلى قدر ثبوت قدم العبد واستقامته على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط الحسي الجسر المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف خطفًا ويلقى في جهنم.
فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا حذو القذة بالقذة (جَزَاءً وِفَاقًا(، (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(، (وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ(.
وقوله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ( مفسرًا للصراط المستقيم وانتصب على أنه بدل من الأول وفائدة التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، ويجوز أن يكون عطف بيان وفائدته الإيضاح، والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال الله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا(.
وقال الضحاك عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك، وعبادتك من ملائكتك، وأنبياءك، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وذلك نظير قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم( الآية، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام.
وقوله تعالى: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(.
قال ابن كثير ـ رحمه الله -: والمعنى إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلال لا يهتدون إلى الحق وأكد الكلام بلا؛ ليدل على أن ثَمَّ مسلكين فاسدين وهما طريقة اليهود والنصارى؛ ولهذا كان الغضب لليهود والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكن لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه وهو إتباع الحق ضلوا وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم: (مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ(، وأخص أوصاف النصارى الضلال، كما قال تعالى عنهم: (قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ(، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار، فعن عدي بن حاتم: قال: جاءت خيل رسول الله (، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله صفوا له، فقالت: يا رسول الله، نأى الوافد، وانقطع الولد، و أنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن عليَّ من الله عليك، قال: «من وافدك؟» قالت: عدي بن حاتم، قال: «الذي فر من الله ورسوله؟» قالت: فمن علي، فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي، قال: «سليه حملانًا» فسألته، فأمر لها، قال: فأتتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته، فإذا عنده امرأة وصبيان، وذكر قربهم من النبي (، قال: فعرفت أنه ليس بملك ككسرى ولا قيصر، فقال: يا عَدِيُ: «ما أفرك؟ أفرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله! أفرك أن يقال الله أكبر؟ فهل شيء أكبر من الله عز وجل!» قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر، وقال: «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى»، وذكر الحديث.
وفي خطابه مع بني إسرائيل في سورة «البقرة» : (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ(، وقال في سورة المائدة: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ(.
وفي السيرة: عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له النصارى: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله، فقال: لا أستطيعه، فاستمر على فطرته وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى، وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن به بما وجد من الوحي (. اهـ. بتصرف واختصار.
ومن الحكم التي تدل على اختيار هذه السورة للتكرار في كل صلاة والتي لا تصح الصلاة بدونها لقادر على الإتيان بها، ما ورد في «صحيح مسلم» من حديث العلاء بن عبدالرحمن مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله (: «يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ(، قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(، قال الله: هذا ما بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
ما يؤخذ من سورة الفاتحة من الأحكام:
1- إثبات الألوهية.
2- إثبات الأسماء لله.
3- إثبات صفة الرحمة لله.
4- إثبات صفة الكلام لله.
5- الرد على الجهمية والمعتزلة ونحوهم، ممن ينكر صفة الرحمة أو يؤولها بتأويل باطل.
6- أنها اشتملت على حمد الله.
7- أنها اشتملت على تمجيد الله والثناء عليه بذكر أسماء الله الحسنى المستلزمة لصفاته.
8- إثبات الربوبية.
9- أن الله هو الذي خلق المخلوقات كلها.
10- أنه هو الذي يرزقهم.
11- أنه هو الذي يهديهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم.
12- الابتداء بالبسملة.
13- إثبات غنى الله.
14- إنفراد الله بالتدبير.
15- فقر الخلائق إلى الله.
16- إثبات أولية الله.
17- إثبات صفة الملك لله.
18- إثبات الرسالة وهو من جهات عديدة: أحدها: كونه رب العالمين فلا يليق به أن يترك عباده سدى لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما، المأخذ الثاني لإثبات الرسالة من اسم الله وهو المألوه المعبود ولا سبيل إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله، والمأخذ الثالث لإثبات الرسالة من اسمه الرحمن، فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كما لهم، المأخذ الرابع لإثبات الرسالة من ذكر يوم الدين، فإنه اليوم الذي يدين الله به الخلائق بأعمالهم فيثيبهم على الخيرات ويعاقبهم على المعاصي والسيئات، وما كان الله ليعذب أحدًا قبل إقامة الحجة عليه، والحجة إنما قامت برسل الله وكتبه وبهم استحق الثواب والعقاب، وبهم قام سوق يوم الدين، وسيق الأبرار إلى النعيم، والفجار إلى الجحيم.
19- إثبات البعث.
20- إثبات الحشر.
21- إثبات الحساب والجزاء على الأعمال.
22- أن للدين يومًا معينًا عند الله يلقى فيه كل عامل جزاء عمله.
23- أن القرآن فيه ترغيب وترهيب حيث جاء قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (إثر قوله: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(.
24- أن المصالح كلها إنما تهيأت للخلق برحمة الله وفضله وإحسانه.
25- أن قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ( حث على الأعمال والاستعداد لذلك اليوم.
26- وجوب الإيمان بالجن والبعث.
27- إن في ذلك اليوم لا يدعى أحد شيئًا ولا يتكلم أحد إلا بإذن الله، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ(.
28- وجوب إفراد الله بالعبادة.
29- التبرؤ من الشرك.
30- وجوب الاستعانة بالله.
31- التبرؤ من الحول والقوة.
32- العدول عن الغَيبة إلى الخطاب؛ لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى آخر كان أحسن تطرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظًا له.
33- أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
34- الاهتمام بتقديم حقه تعالى على حق عباده.
35- إثبات علم الله؛ لأنه الخالق الرازق لهم، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ويستحيل ذلك مع الجهل.
36- إثبات حكمة الله لما في تربيته لهم تعالى من الحكمة جل وعلا.
37- رد على القدرية المنكرين لعلم الله.
38- رد على الجبرية الذين سلبوا العبد قدرته وجعلوا فعله مجازًا.
39- الحث على طلب الهداية.
40- أنه لا يؤمن على الإنسان المؤمن الفتنة، فلذا أمر بتكرير طلب الهداية.
41- أن الهداية بيد الله تعالى.
42- أن الإنسان مفتقر في كل لحظة إلى معونة الله.
43- القضاء على جذور الشرك التي كانت فاشية في جميع الأمم وهي اتخاذ أولياء من دون الله يُستعان بهم على قضاء الحاجات ويتقرب لهم إلى الله زلفى، كما أخبر الله عن المشركين بقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى(.
44- أن لله صراطًا مستقيمًا.
45- أن السعادة لا تحصل إلا بالسير على ذلك الصراط القويم.
46- أن من خالف هذا الصراط وانحرف عنه فهو في ضلال مقيم.
47- أنه قد مضي أمم شرع الله لهم شرائع لهدايتها فاتبعها الموفقون وساروا على نهجها، فعلينا أن نتبع ما جاء عن الله على ألسنة رسله.
48- أن غير المنعم عليهم صنفان صنف خرج عن الحق بعد علمه به وأعرض عنه بعد أن استبان له وهؤلاء المغضوب عليهم، وصنف لم يعرفوا الحق أبدًا أو عرفوه على وجه مضطرب مشوش فهم في عماية تلبس الحق بالباطل وهؤلاء هم الضالون.
49- أن الأعمال يتوقف نجاحها على أسباب ربطتها حكمة الله بمسبباتها وجعلتها موصلة إليها وعلى انتفاء موانع من شأنها أن تحول دونها، وقد أوتي الإنسان بما فطره الله عليه من العلم والمعرفة كسب بعض الأسباب ودفع بعض الموانع بقدر استعداه الذي آتاه الله، فعليه أن يعمل ويطلب من الله الإعانة والقبول، وقد وعد سبحانه بإجابة الداعي.
50- إن في ذكر الاستعانة بالله إرشاد للإنسان إلى أن يجب عليه أن يطلب المعونة من الله على عمل له فيه كسب، فمن ترك الكسب فقد جانب الفطرة وأصبح مذمومًا لا متوكلاً محمودًا.
51- فيها إيماء إلى أن الإنسان مهما أوتي من حصافة الرأي وحسن التدبير وتقليب الأمور على وجوهها لا يستغني عن العون الإلهي ولطف الله جل وعلا.
52- أن دين الله واحد في جميع الأزمان.
53- الحث على التخلق بفاضل الأخلاق وعمل الخير وترك الشر.
54- النهي عن طريق الضالين والمغضوب عليهم.
55- الحث على حسن الأسوة فيما تكون به السعادة.
56- اجتناب ما يكون طريقًا إلى الشقاء والدمار.
57- إن في ذكر المنعم عليهم وهم من عرف الحق واتبعه، والمغضوب عليهم وهم من عرفه واتبع هواه، والضالين وهم من جهله ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة؛ لأن انقسام الناس إلى ذلك هو الواقع المشهود، وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت الرسالة.
58- إن في تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم، وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر، فكل الخلق في نعمة، وهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر من نعمة أم لا؟ فالنعمة المطلق لأهل الإيمان ومطلق النعمة يكن للكافر والمؤمن، كما قال: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(، والنعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان، والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون.
59- التنبيه على الرفيق في الطريق المذكور، وأنهم هم الذين أنعم الله عليهم من النبييين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه.
60- عظم شأن يوم الدين حيث خص بالذكر مع أن الله له الملك في الأولى والآخرة.
61- إرشاد العباد إلى إخلاص العبادة لله وتوحيده بالألوهية.
62- إرشاد العباد إلى تنزيه الله عن الشريك والنظير أو المماثل.
63- أن الله أثنى على نفسه وافتتح كتابه بحمده ولم يأذن في ذلك لغيره، بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله (، فقال: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى(، وقال –عليه الصلاة والسلام-: «أحثوا في وجوه المداحين التراب» رواه المقداد.
64- أن فيها اسم الله الأعظم، قيل: الجلالة، وقيل: الرب لكثرة الدعاء بهما.
65- رد على القدرية؛ لأن الإنسان عندهم هو الذي يخلق أفعاله فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم الله في هذه الآية حيث سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون الله لما سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة.
66- أن سورة الفاتحة مشتملة على مقاصد القرآن على سبيل الإجمال كما تقدم بيانه.
67- أن هذه السور تضمنت إثبات أنواع التوحيد الثلاثة: فتوحيد الألوهية يؤخذ من لفظ الله، ومن قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(، وتوحيد الربوبية يؤخذ من قوله: (رَبِّ العَالَمِينَ(، وتوحيد الأسماء والصفات يؤخذ من لفظ: (الْحَمْدُ(.
68- تعليم العباد كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى المطلوب توسل إليه بأسمائه وصفاته.
69- دليل على رحمة الله الخاصة والمأخذ من قوله تعالى: (الرَّحِيمِ(.
70- إن في بناء أنعمت للفاعل استعطاف، فكأن الداعي يقول: أطلب منك يا رب الهداية إذ سبق إنعامك، فاجعل من إنعامك إجابة دعائنا وإعطاء سؤلنا وسبحانه ما أكرمه، كيف يعلمنا الطلب ليجود علينا بما طلبنا!
71- الحث على التوكل على الله.
72- أن الله لا يهمل أمر المظلومين، بل يستوفي حقوقهم من الظالمين في يوم الدين.
73- إن في تكرير (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بعد الذكر في البسملة ما يدل على أن العناية بالرحمة أكثر من غيرها من الأمور، وأن الحاجة إليها أكثر فنبه سبحانه بتكرير ذكر الرحمة على كثرتها وأنه هو المتفضل بها على خلقه.
74- أن تارك العمل بالحق بعد معرفته أولى بوصف الغضب وأحق به، ومن هاهنا كان اليهود أحق به.
75- أن الجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصفت النصارى به.
76- أن هذه الأوصاف المذكورة في سورة الفاتحة من كونه ربًا للعالمين موجدًا لهم ومنعمًا بالنعم كلها، ومالكًا للأمر كله يوم الجزاء بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ (دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على هذا الوصف مشعر بعليته له.
77- أن الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى.
78- أن قوله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (بدل كل من كل من المتقدم، وفائدته التوكيد، والتنصيص على أن صراط المسلمين هو المشهود عليه الاستقامة والاستواء على آكد وجه وأبلغه.
79- أن العبد إذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ (حصل له الفخر، وذلك منزلة عظيمة، فربما حصل بسبب ذلك العجب فأردف ذلك بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(؛ ليزول ذلك العجب الحاصل بسبب تلك العبادة.
80- إن في قوله تعالى: (رَبِّ العَالَمِينَ (حث على اتجاه جميع الخلق إليه جل وعلا والإقرار له بالسيادة المطلقة؛ لأنه المربي لهم التربية العامة، وهو المربي لأوليائه التربية الخاصة.
81-إن في الإقرار بذلك والاعتراف به الاطمئنان إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة التي لا تنقطع ولا تفتر.
ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين، ومعناها: اللهم استجب، والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ( قرأ: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(، فقال: «آمين» مد صوته، ولأبي داود: رفع بها صوته، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم، وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ( إذا تلا: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (قال: «آمين» حتى يسمع من يليه من الصف الأول، رواه أبو داود وابن ماجه، وزاد فيه: فيرتج المسجد.
وعن بلال أنه قال: يا رسول الله، لا تسبقني بآمين، رواه أبو داود.
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ( أن رسول الله ( قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
ولمسلم أن رسول الله ( قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة آمين والملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقيل: من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في صفة الإخلاص.
وفي «صحيح مسلم» عن أبي موسى مرفوعًا: «إذا قال –يعني الإمام-: (وَلاَ الضَّالِّينَ( فقولوا آمين يجبكم الله».
اللهم ارزقنا التفكر والتدبر لما تتلوه ألسنتنا من كتابك والفهم له والمعرفة بمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقينا إنك على كل شيء قدير، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



-المصدر : كتاب الأنوار الساطعات لايات جامعات للعلامة الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان رحمه الله و غفر له
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تفسير سورة الفاتحة وما يؤخذ منها من احكام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ارض الشام :: منتديات ارض الشام الإيمانية :: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ‏.-
انتقل الى: